السيد كمال الحيدري
91
شرح كتاب المنطق
الأمم البدائيّة ، لوجدنا الفرق الشاسع بين معارفهم ومعارفنا ، ولعلمنا أنّ عدد الأدوات التي كان يستعملها أولئك لا يتجاوز عدد الأصابع ، ولهذا لم يكونوا محتاجين إلى اللغة إلّا بمقدار ما لديهم من أدوات وآلات ، وقد تقدّم الكلام حول هذا الموضوع في أبحاث سابقة حيث ذكرنا : أنّ اللغة ظاهرة اجتماعية ولولا أنّ الإنسان يعيش ضمن المجتمع لما احتاج إليها ، وأنّ احتياجه نابع من ارتباطه بالآخرين وتعامله معهم ونقل أفكاره إليهم وفهم أفكارهم . وأيضاً عندما نرجع إلى تاريخ اللغة العربية في الزمان الذي كان يعيش العرب فيه مستوى من التمدُّن متدنّياً ، نجدهم أكثر استعمالًا للمترادفات ، وما ذلك إلّا لوجود معنى واحد عندهم له عدة ألفاظ ، بخلاف ما نحن عليه في زماننا الحاضر حيث قلّ استعمال المترادفات ، لكثرة المعاني التي توصّلنا إليها . والحاصل : إنّ كثرة الألفاظ تكشف عن تعدّد المعاني في الذهن ، وكثرة المعاني تكشف عن فهم الإنسان لأشياء كثيرة في الواقع الخارجي . [ ثم استعان بالعلوم والفنون على تدقيق تلك الأنواع وتمييزها تمييزاً ذاتياً . ولا يزال العلم عند الإنسان يكشف له الكثير من الخطأ في تقسيماته وتنويعاته ، فيعدّلها ] إذ قد يتصوّر أنّ القسم الفلاني داخل في الباب الفلاني ، ثمّ يتبيّن له أنّه من أقسام باب آخر أو داخل في علم آخر . ونحن أشرنا إلى هذا في بحثنا عن العلوم الطبيعية حيث كان العلماء يتصوّرون أنّها داخلة في الفلسفة وعلم المنطق ، ولكن بعد التمدُّن الذي حصل للمجتمعات البشرية تبيّن أنّها ليست منهما في شيء ، ولا من المنطق الذي يحكم الفلسفة [ ويكشف له أنواعاً لم يكن قد عرفها في الموجودات الطبيعية ، أو الأمور التي يخترعها منها ويؤلفها ، أو مسائل العلوم والفنون . وسيأتي كيف نستعين بالقسمة على تحصيل الحدود والرسوم وكسبها ، بل كل حدّ إنّما هو مؤسَّس من أو لالأمر على القسمة . وهذا أهمّ فوائد القسمة ]